الشيخ محمد الصادقي الطهراني
128
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وشر الدواب هؤلاء الأنكاد لهم « الصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان . . وذلك ميِّت الأحياء » « 1 » - أولئك « لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ، ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة ، فهم في ذلك كالأنعام السائمة ، والصخور القاسية » « 2 » - « منهوماً باللذة ، سَلِس القيادة للشهوة ، أو مغرماً بالجمع والإدخار ، ليس من رعاة الدين في شيءٍ ، أقرب شيءٍ شبهاً بالأنعام السائمة » . « 3 » إن اللَّه تعالى لم يخلق دابة شريرة في أصلها ، فلم يخلق الشيطان شيطاناً وإنما جناً كسائر الجان ، ثم هو الذي شيطن نفسه بسوء صنيعه ، كما لم يخلق الكافر كافراً ، وكذلك سائر الدواب الشريرة ، اللّهم إلّا شراً قاصراً هو قضية كون الكائن مخلوقاً إذ لا يمكن أن يُخلق ما هو خير مطلق كما اللَّه . ذلك ، فالدواب الشريرة في حقل « شر الدواب الصم . . » هي المقصرة في شرها فأين تقصير سائر الدواب وتقصير الصم البكم ، فقضية خلق الإنسان في أحسن تقويم والشرعة التي تقومه أكثر صاعداً في المعارج ، ألا يعمل شراً أم يعمل أقل من سائر الدواب ، فأما إذا يعاكس الإنسان أمره إرتداداً إلى أسفل سافلين فهو « شر الدواب » بصورة طليقة وكما يقول اللَّه عنه « فحملها الإنسان انه كان ظلوماً جهولًا » مهما كان حمل الأمانة خيانة من سائر الكائنات كثيرة ، فهو بجنب حمل الإنسان ضئيل قليل . وتعبير عن الصم البكم بالدواب تعبير لهم بارتجاعهم إلى كيان الدواب الشريرة أضل سبيلًا ، فلا يحق لهم اسم الإنسان أو الناس بل هم الدواب النسناس . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ » . « 4 » هنا « لو » تحيل أن يعلم اللَّه فيهم خيراً إذ لا خير فيهم حتى يُعلم ، فهنا مساواة بين علم اللَّه شيئاً وواقعه ، وبين عدمه وعدم واقعه لأنه بكل شيءٍ محيط . فحين لا سمع لهم وهم صمٌّ بسوء فِعالهم واختيارهم ، فلا يحق إسماعهم الحق الذي هم عنه معرضون ، إذاً - والحال هذه - « ولو أسمعهم » اسمع قلوبهم وشرحها لما تسمعه
--> ( 1 ) . نهج البلاغة الخطبة 85 / 155 ( 2 ) . 106 و 40 ( 3 ) . 147 ح / 595 ( 4 ) . 11 : 23